حلال يايد

الضوابط الشرعية لأحكام الأطعمة في الإسلام

نظمت الشريعة الإسلامية للإنسان حياته العامة والخاصة تنظيم ا  دقيقا ، وأوضحت له الحلال والحرام في مأكله ومشربه ولباسه، ليعيش حياته وفق هداية السماء، يتمتع بكل ما هو طيب حلال، ويتجنب كل ما هو خبيث محرم، ولم تصدر له في هذا الشأن أحكام ا  جامدة تفرض عليه تنفيذها، بل أبانت وشرحت له فلسفة تحليل الطيبات وتحريم الخبائث ليقبل على أحكامها قانع ا  مختارا

وقد أوضحت شريعة الإسلام الحلال والحرام من الأطعمة من خلال العديد من الآيات القرآنية التي تحث على الطيب من الطعام منها قوله تعالى: «يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات»، أي يسألك أصحابك يا محمد ما الذي أحله الله لهم من المأكولات الطيبة؟ قل لهم: أحل لكم الأطعمة الطيبة التي تستلذها النفوس المستقيمة، وترتاح لها الأرواح الطاهرة، والتي لم يرد في شريعة الإسلام ما يمنع من أكلها، فكل طعام أباحته شريعة الإسلام فلنا أن نأكل منه من دون إسراف وتبذير امتثا لا  لقوله عز وجل: «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين»، وكل طعام حرمته واجب على المسلم أن يمتنع عنه.

فالطعام له مفهومه وضوابطه التي تؤدي إلى حل بعضه وحرمة بعضه الآخر، والله سبحانه وتعالى قد بين للبشر ما يحل لهم أكله وتناوله، وما يحرم عليهم

أولا:- مفــهوم الطـعـــام :كلمات « طـعـام » في لغة العرب اسم جامع لكل ما يؤكل أو يذاق، وعلى ذلك يطلق الطعام على ما يمضغ، وعلى ما يشرب، وعلى ما اختص به البشر، وما اشتركوا في تناوله مع الحيوان، وما اختص به الحيوان أيضا»راجع « لسان العرب » لابن منظور  مادة « ط ع م ».

ثانيا: – محرمات الأطعمة:

والمحرمات في الشريعة الإسلامية التي يحرم تناولها هي:

– مذهبات العقل: الخمور والمخدرات.

– السموم: التي يغلب عليها القتل.

– النجاسات: الدم – البول – البراز– الميتة – الخنزير.

– المستقذرات: حتى ولو كانت طاهرة مثل البصاق، والمني عند من قال بطهارته، والدموع والعرق والإفرازات المختلفة التي يفرزها الجسد الإنساني.

  والملاحظ أن هذه الأقسام علل للتحريم أيضا، فالحفاظ على العقل مقصود للشرع، وبه يتم عبادة الله وعمارة الدنيا، والحفاظ على النفس من مقصود الشرع لأن إهلاك النفس محرم، والحفاظ على الدين  بالبعد عما حكم عليه بأنه نجس من مقصود الشرع، والحفاظ على آدمية الإنسان بالبعد عن المستقذرات واجب ومن مقصود الشرع.

ثالثا:-المحرمات من الحيوان:

١-الميتة: وهي كل حيوان حلال الطعام أصلا فارقته الروح من غير ذكاة شرعية ما عدا ميتة السمك وميتة الجراد فإنهما حلال باتفاق.

والذكاة الشرعية هي: إنهار الدم وذري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور عليه مقرونا كل ذلك بالقصد لله، ويسمي العلماء قطع الحلقوم والمريء» والودجين من الحيوان مأكول اللحم بالذبح الاختياري وذلك في مقابل الذبح الاضطراري الذي هو العقر في حيوان وحش عجزنا عن إمساكه وأخذه، وهذا النوع يتم قتله ويحل أكله ما دام قد توافر فيه الشرطان أنه وحشي وأنه غير مقدور عليه فإن قدرنا عليه وجب الذبح الاختياري، انظر « اللحوم » لسيد عبد الله علي حسين، ص 17 و ص 30، طبع / مطبعة الأمانة، سنة 1946، المغني لابن قدامة / جـ 1/ 78

٢-الخنزير : هو محرم، بنص القرآن في كل من سورة البقرة، الآية رقم : 173. وسورة الأنعام، الآية رقم :

  1. 145. وسورة المائدة، الآية رقم : 3. وعلى هذا انعقد الإجماع، وهو محرم مطلقا بسائر أجزائه.

 ذكر ابن حزم في كتابه « مراتب الإجماع»: واتفقوا أن الخنزير، ذكره وأنثاه صغيره وكبيره حرام، لحمه وشحمه وعصبه ومخه وغضروفه ودماغه وحشوته وجلده حرام كل ذلك. مراتب الإجماع : 148،فلا يجوز أكل أي جزء من الخنزير، لحما أو جلدا أو شحما، أو أي جزء من بدنه، وهذا متفق عليه عند الأمة. انظر :

بداية المجتهد، جـ 1/488، القوانين الفقهية: 34، المغني لابن قدامة / جـ 1/ 78، الحاشية: لابن عابدين/ جـ:

1/136، مغنى المحتاج: جـ 1 / 77، شرح المنهاج : للقليوبي جـ1/ 69.

٣- المهل به لغير الله :الإهلال: رفع الصوت، يقال: أهل بكذا، أي رفع صوته، ومنه إهلال الصبي واستهلاله، وهو صياحه عند ولادته، والمراد هنا: ما ذكر عليه اسم غير الله، كـ )اللات( و )العزى( إذا كان الذابح وشيا، و)النار( إذا كان الذابح مجوسيا، و)المسيح( إذا كان الذابح نصرانيا، و)عزير( إذا كان الذابح يهوديا.وما ذكر على سبيل المثال، لا حصرا، ومما يدخل فيها، ما يقع من إهلال بأسماء الأموات عند قبورهم, فإنه مما أهل به لغير الله، فسبحان الله عما يشركون.

٤-الموقوذة :هي التي تضرب بحجر، أو عصا، حتى تموت من غير تذكية، إذ الوقذ، من وقذ يقذ وقذا، فهو وقيذ، والوقيذ شدة الضرب، وفلان وقيذ، أي مشخن ضربا، وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، فيضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى تموت، ثم يأكلونها.

-المتردية :هي التي تتردى من علو إلى أسفل، فتموت من غير فرق بين أن تتردى من جبل أو بئر أو مدفن أوغيرها.

والتردي مأخوذ من الردى و هو الهلاك، وسواء تردت بنفسها أو ردها غيرها.

-الـنطـيحـة :نطيحة على وزن فعيلة، بمعنى مفعولة، وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية

-أكـيـلة السـبع :هو ما افترسه السبع، وهو ما كان ذا ناب، كالأسد والذئب، أو ذا مخلب من سباع الطيور، كالصقر والنسر، والمراد: ما أكل منه السبع، إذ كانت العرب تخلص الحيوان المفترس من قبل السبع، حال كونه يأكل منه، ثم يأكلونه، مع أنه ميتة، ودون تذكية، إلا ما يلحق منه قبل الموت فيذكى، آنذاك حلال أكله، نظرا لقوله تعالى: )إلا ما ذكيتم(.

-ما ذبح على النصب :النصب واحد الأنصاب، وهي أحجار كانت منصوبة حول البيت )الكعبة( يذبحون عليها، ويعدون ذلك قربة، وقيل هي الأصنام.وكانت العرب تذبح بمكة، وتنضح بالدم ما أقيل من

البيت،ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام، قال المسلمون للنبي عليه الصلاة والسلام: » نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأنصاب»، فأنزل الله : «وما ذبح على النصب» تفسير ابن كثير : جـ 2/ 8 ، تفسير الشوكاني : جـ 1/ 169، جـ 2/ 8 وما بعدها.

-الدم :-، والمقصود به الدم المسفوح، أي السائل من الحيوان عند ذبحه.

مسألة:- حدود وفواصل تتميز بها الحيوانات الطيبة من الحيوانات الخبيثة:

-الأصل في الحيوان البري، أليفا أو متوحشا، الإباحة، إلا ما ورد إخراجه.

-ما ورد إخراجه إلى الحظر، منه ما بنى على النص تعينا، ومنه ما بني على الطبع وصفا.

-مما بني على النص تعيينا، كالخنزير، فإنه محرم لذاته بالنص، فضلا عما به من أمارات الخبث والخسة، وكذلك الحمر الأهلية والبغال- محرم- وإن لم تبد فيها طباع الخبث أو المسخ أو الاعتداء، ولذا صح الإنتقاع بها، حمولة وركوبا وزينة، بخلاف الخنزير، حيث لا انتفاع به، حيا أو ميتا.

4-ما بني على الطبع كامن في كل كان خبيثا، كأكلة الجيف والحشرات وهو أم الأرض وأكلة المستقذرات، وفي كل ما كان ممسوخا، كالقردة، وفي كل ما كان من ذوي الأنياب من سباع البهائم أو من ذوي المخالب من الطيور، وكان من شأنه الاعتداء.

-ما اشتبه به، ولم يرد فيه نص، يحال على استطابة العرب واستخباثها، إذ الأصل الحل حتى يقوم دليل ناهض ينقل عنه، أو يتقرر أنه مستخبث في غالب الطباع.-

-ينظر إلى صورتها وطبعها وخصائص تغذيتها، فتلحق بما شابهها من الحيوانات المعلومة الحكم، وإن عدم الشبه، فهي حلال لبقائها على الأصل. انظر « نيل الأوطار» : جـ : 8/ 138- 144.

قاعدة :- لا حرج على المضطر:-لكن شريعة الإسلام صاحبة قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، أعطت الإنسان المضطر حق الأكل من الأصناف المحرمة في حالة الاضطرار، وجاء النص على ذلك في ختام الآية الكريمة في قول الحق سبحانه: «فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور

رحيم».والمخمصة: خلو البطن من الغذاء عند الجوع الشديد، ولفظ «متجانف» من الجنف بمعنى الميل من الحق إلى الباطل.

والمعنى: من ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات في مجاعة شديدة، حالة كونه غير مائل إلى ارتكاب إثم من الآثام فلا ذنب عليه، لأن الله تعالى واسع المغفرة والرحمة.

وقد أخذ الفقهاء من هذه الجملة الكريمة أن هذه الإباحة للأكل من تلك المحرمات مقيدة بقيود، من أهمها:

 أ-أن يقصد بالأكل من هذه المحرمات دفع الضرر فقط.. 

ب-وألا يتجاوز ما يسد الضرورة.. أما إذا تجاوز المقدار الذي يدفع الضرر، فإنه في هذه الحالة يكون واقعا في المحرم الذي نهى الله عنه.

أسباب منع بعض الأطعمة والأشربة في الإسلام:-إن من رحمة الله تعالى بعباده أنه ح ث  في الكثير من آياته الكريمة على تحريم العديد من الأطعمة والأشربة، وأخبرنا -سبحانه وتعالى- أنه إنما أحل لنا الطيبات دون الخبائث، ومما لا شك فيه أن الأصل في الإسلام هو حل وإباحة الأطعمة والأشربة، إلا ما ثبت النهي عنه بدليل شرعي، أو تبين وجود مفسدة ظاهرة متحققة فيه.

وكل ما فيه منفعة للبدن والروح من الأطعمة والأشربة فقد أباحه الله؛ ليستعين به الإنسان على طاعة الله، ويتقوى على عبادته، ويشكره على تمام النعمة، ولا شك أ ن  الطعام الذي يتناوله الإنسان من الأطعمة التي أباحها الله له فيه حفظ لمقاصد الشريعة؛ والمتمثلة في الحفاظ على صحة الإنسان من المرض والضرر ، وأن كل ما فيه ضرر على صحة الإنسان فقد حرمه الله؛ لما فيه من مفسدة وضرر يقع على صحة الإنسان

ويمكن أن نحدد أسباب التحريم بمايلي :-

1- الوقاية من الضرر الصحي :- إن الحكمة من النهي عن تناول الميتة من الحيوانات هو احتباس الدم فيها، وعل ة التحريم في الإسلام ترجع لسببين: 

ما فيه حق لله تعالى حيث قد نهى الله عن أكل الميتة، فمن أكلها فقد تعدى وتجاوز الح د، وانتهك حرمة أوامر الله ونواهيه. 

ما فيه مصلحة للعباد حيث إن وراء كل نهي مصلحة تتحقق للعباد في الدنيا والآخرة، سواء علم بها الإنسان أم لم يعلم بها، وقد ح رم الله العديد من المطعومات لِما تس ببه من الضرر على ص حة الإنسان.

الحفاظ

1- الحفاظ على الذوق السليم والبعد عن المستقذرات :-لا شك أن من الأسباب التي دعت الإسلام لتحريم بعض الأطعمة والأشربة هي الوقاية من الأمراض التي تلحق بالإنسان جراء تناوله ما فيه ضرر على جسمه؛ كالطين، والفحم، والخشب، والابتعاد عن تناول ما تستقذره الطباع السليمة؛ كالروث، والقمل،

والجعلان، والبصاق، والمخاط، وغيرها، وهذا من شأنه الحفاظ على الذوق السليم والبعد عن المستقذرات التي تأباها الطباع السليمة لدى الإنسان. 

المحافظة على طبائع الإنسان وخُلقه من الأسباب التي دعت الإسلام لتحريم بعض الأطعمة والأشربة هو الحفاظ على طبائع الإنسان وخلقه؛ لأن في تناولها إضرار ا  بالإنسان، وهو ما تأباه النفس السوية وتعافه وترفض تناوله، لما فيه من إخلال بطبع الإنسان ومزاجه ال سوي الذي خلقه الله عز وجل فيه،

مثل تناول لحوم السباع وجوارح الطير، قال تعالى : «إِنَّمَا حَرَّ مَ عَلَيْكُمُ  الْمَيْتةََ  وَالدَّمَ  وَلحَْمَ  الْخِنزِي رِ وَمَا أهُِلَّ  بِهِ  لغيَْرِ  اللَّـهِ  فَمَنِ  اضْطُرَّ  غَيْرَ  بَا غ  وَلاَ  عَا د  فلََا  إِثمَْ  عَليَْهِ  إنَِّ  اللـَّهَ  غَفوُ ر  رَّحِي م »

سد طريق الشهوات من الأسباب التي دعت الإسلام لتحريم بعض الأطعمة والأشربة :هو سد طريق الشهوات التي تؤدي إلى الصد عن ذكر الله تعالى، وتبعد الإنسان عن أبواب رحمته، وفضله وإحسانه، وإثارة الشحناء والبغضاء، وانتشار أسباب العداوة بين المسلمين، وبالتالي قطع روابط الأخوة والمحبة بين الناس،قال تعالى: «إِنَّمَا يرُِيدُ  الشَّيْطَانُ  أنَ يوُقعَِ  بيَْنَكُمُ  الْعدََاوَةَ  وَالْبغَْضَاءَ  فِي الْخَمْ رِ وَالْمَيْسِرِ  وَيَصُدَّكُمْ  َعَن ذِكْ رِ اللـَّهِ  وَعَنِ  الصَّلَاةِ  فهََلْ  أنَتمُ مُّنتهَُو نَ»